الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
208
مناهل العرفان في علوم القرآن
قوله تعالى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * رواه الحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري . فانظر إلى الرجل حين أرسل نفسه على سجيتها العربية ، وبديهتها الفطرية كيف أنصف في حكمه ، حين تجرد ساعة من عناده وكفره ، وقال : واللّه ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا إلى أن قال : وإنه ليحطم ما تحته . ثم انظر إلى الرجل حين غلبت عليه شقوته ، وعاوده عناده وتعصبه ، كيف قاوم فطرته وأكره نفسه على مخالفة شعوره ووجدانه وقال ما قال بعد أن حار وذهب كل مذهب في ضلاله وحيرته ، على نحو ما يصور القرآن تلك الحيرة والمقاومة والاستكراه بقوله : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ الخ . نسأل اللّه الحماية والهداية بمنه وكرمه . آمين . 2 - ونريد بجمال القرآن اللغوي ، تلك الظاهرة العجيبة التي امتاز بها القرآن في رصف حروفه وترتيب كلماته ، ترتيبا دونه كل ترتيب ونظام تعاطاه الناس في كلامهم . وبيان ذلك أنك إذا استمعت إلى حروف القرآن خارجة من مخارجها الصحيحة ، تشعر بلذة جديدة في رصف هذه الحروف بعضها بجانب بعض في الكلمات والآيات هذا ينقر وذاك يصفر . وهذا يخفى وذاك يظهر ، وهذا يهمس وذاك يجهر ، إلى غير ذلك مما هو مقرر في باب مخارج الحروف وصفاتها في علم التجويد . ومن هنا يتجلى لك جمال لغة القرآن حين خرج إلى الناس في هذه المجموعة المختلفة المؤتلفة ، الجامعة بين اللين والشدة ، والخشونة والرقة ، والجهر والخفية ، على وجه دقيق محكم ، وضع كلا من الحروف وصفاتها المتقابلة في موضعه بميزان حتى تألف من المجموع قالب لفظي مدهش ، وقشرة سطحية أخاذة امتزجت فيها جزالة البداوة في غير خشونة ، برقة الحضارة من غير ميوعة ، وتلاقت عندها أذواق القبائل العربية على اختلافها بكل يسر وسهولة . ولقد وصل هذا الجمال اللغوي إلى قمة الإعجاز ، بحيث